يظل صوتها يرفرف في الأفق الحالم، كوكب الشرق أم كلثوم التي سطرت تاريخاً فنياً لا ينسى، حيث تتذكر الأجيال عبق أغانيها الخالدة. في ذكرى رحيلها, يتجسد تأثيرها الكبير في قلوب محبيها، الذين لا يزالون يستمعون إلى أغانيها بشغف، إن أم كلثوم لم تكن مجرد مغنية، بل كانت رمزاً لحب وعاطفة لا تمحى من الذاكرة. كان لها الفضل في تغيير مجرى الموسيقى العربية، عبر تعاونها مع عمالقة الفن، مما جعلها أيقونة لكل زمان ومكان.
نشأة أم كلثوم
فاطمة بنت الشيخ إبراهيم السيد البلتاجي، التي تُعرف باسم أم كلثوم، ولدت في قرية ريفية تدعى طماي الزهايرة. تربت في أسرة بسيطة تعمل بجد، فكان والدها مؤذناً بينما كانت والدتها تربي أطفالها في كنفهم. على الرغم من التحديات المادية، سعت لتعليم نفسها وتوجهت إلى الكتاب لتعلم القراءة والكتابة والحصول على التوجيه الذي ساعد على تطوير موهبتها الغنائية.
واجهت أم كلثوم صراعات عديدة في بداية حياتها، حيث جاهدت لتأمين مصاريف التعليم، لكن ذلك لم يثنِها عن السعي وراء حلمها، إذ كانت تستمد الإلهام من والدها الذي كان يُعلم أخاها الغناء، مما دفع أم كلثوم لتقليده، وبهذا بدأت رحلتها في عالم الموسيقى.
أول حفل غنائي لأم كلثوم
كانت البداية عندما حاولت تقليد والدها في المنزل، مما أسفر عن إعجاب العائلة بصوتها. حصلت على أول فرصة غنائية لها عندما غنت أمام عدد قليل من الأشخاص، ليبدأ اسمها في الانتشار بسبب أدائها المميز. تكررت العروض فيما بعد، لتتحول أم كلثوم من مجرد فتاة تغني في قريتها إلى فنانة تجذب الجماهير في القرى المجاورة.
سرعان ما أصبحت أم كلثوم محط أنظار الجميع وباتت تقدم الحفلات في العديد من المناطق. كانت كل حفلة تقوم بإحيائها تمنحها فرصة لتجديد طموحاتها الفنية، والأهم من ذلك كانت هذه اللحظات تلبي احتياجات أسرتها المادية، حيث بدأت تدعم والدتها بما تجنيه من حفلاتها.
كواليس أول تعاون بين أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب
جمع تعاون أم كلثوم مع محمد عبد الوهاب بين عبقريتين في عالم الموسيقى العربية، حيث كانت نتاجاتهما تتسم بالتناغم والإبداع. بدأت العلاقة الفنية بينهما في أوائل العشرينيات، حيث قدما معاً أول دويتو غنائي، الأمر الذي ساهم في إرساء أساسات التعاون بينهما على مر السنين.
على الرغم من التنافس الذي كان بينهما، إلا أن هذا التعاون دفع كلاهما لصقل مهاراته والإسهام في إثراء الأغنية العربية. تميزت الأغاني التي نتجت عن هذا التعاون برقي الألحان وجمالية الكلمات، مما جعلها خالدة في ذاكرة الجمهور.
جوائز وتكريمات أم كلثوم
حظيت أم كلثوم بالعديد من الجوائز والتكريمات التي تعكس مكانتها في عالم الموسيقى، منها أوسمة من عدة دول عربية تقديرًا لمساهماتها الفنية. كانت الحكومة العراقية قد منحتها وسام الرافدين، بالإضافة إلى تكريمات من المملكة الأردنية والحكومة السورية وغيرها.
توثق تلك الجوائز تميزها وخلود اسمها كأحد عمالقة الفن العربي، حيث يعكس كل تكريم عظمة الإرث الفني الذي تركته في قلوب عشاقها وأكدت مكانتها بين النجوم.
وفاة أم كلثوم.. الشمس التي لن تغيب
في الثالث من فبراير عام 1975، انطفأت شمس كوكب الشرق، وتم إعلان وفاتها بعد صراع مع المرض. كان الحدث مؤثراً، إذ جاء الآلاف لتشييع جنازتها التي اعتبرت واحدة من أكبر الجنازات في التاريخ، حيث تجمهر الملايين لتوديع أيقونة الغناء العربي. استمرت إذاعات متعددة في بث أخبار وفاتها، مما أظهر مدى تأثيرها الكبير في حياة الناس.
تظل أم كلثوم في ذاكرة الجماهير رمزاً للإبداع الخالد، وقد تركت بصمة لن تمحى في قلوب الملايين، وستبقى أعمالها حاضرة في الأذهان على مر الأزمنة.